أصدر الديوان الوطني للأرصاد الجوية صباح الخميس 15 أكتوبر 2026 نشرية خاصة من المستوى الثاني تحذّر من أمطار رعدية قد تتجاوز 50 ملم محليًا، وكانت ولايات الجنوب والجنوب الغربي في صدارتها، من تندوف وأدرار إلى ورقلة وغرداية. هذا المشهد يلخص ما يغيب عن كثيرين: امطار الخريف في الجزائر لا تنتظر تاريخًا محددًا، ولا تبدأ دائمًا من الشمال كما يتوقع القارئ.
الجواب المختصر أن امطار الخريف في الجزائر تُحسب عادةً من أكتوبر في الشمال، لكن أولى العواصف الرعدية قد تسبقه بأسابيع، وقد تظهر في الصحراء في الوقت نفسه. وفي ما يلي ما تؤكده المصادر المتاحة، وما لا يمكن الجزم به.
من أواخر أغسطس إلى نوفمبر: متى تبدأ امطار الخريف في الجزائر؟
تعتمد القراءة المناخية على سجلات طويلة. فبحسب دراسة علمية عن حوض وادي مكرة في الغرب الجزائري، يُظهر المخطط المطري الحراري لمحطة سيدي بلعباس (1948–2005) أن الفترة الجافة تمتد من ماي إلى سبتمبر، وأن الفترة الباردة الممطرة تمتد من بداية أكتوبر إلى نهاية أبريل. هذه الدراسة منشورة في مجلة Modeling Earth Systems and Environment، وهي تخص منطقة شبه جافة بعينها، فلا ينبغي تعميم نتائجها على امطار الخريف في الجزائر كلها.
لكن الواقع يسبق المنحنى أحيانًا. فقد ذكرت تقارير صحفية أن الأمطار الغزيرة تتساقط عادةً أواخر أغسطس وفي سبتمبر، وهي زخات يسميها الفلاحون محليًا «صلاحة النوادر»، وتكون شديدة ولا تدوم في الغالب أكثر من يوم. وفي سبتمبر 2026 تحدث موقع جزائري عن تنبيه جوي شمل 23 ولاية بأمطار رعدية أحيانًا، وُصفت بأنها أولى تساقطات الخريف.
ماذا نقصد بكلمة «البداية»؟
حين يسأل الناس عن موعد امطار الخريف في الجزائر فهم يقصدون في الواقع ثلاثة معانٍ مختلفة. الأول هو أول عاصفة رعدية بعد الصيف، وقد تأتي في سبتمبر. الثاني هو دخول الموسم الرطب إحصائيًا، أي أكتوبر في محطة مثل سيدي بلعباس. الثالث هو الأمطار الهادئة المتواصلة التي تروي التربة، وهذه تتأخر عادةً إلى أواخر الخريف. لذلك يختلف جواب «متى» باختلاف المقصود، وباختلاف الولاية أيضًا.
كيف تتشكل امطار الخريف في الجزائر ولماذا تأتي عنيفة؟
الآلية العامة معروفة في علم الأرصاد. يبقى سطح البحر المتوسط دافئًا بعد صيف طويل، ويكون الهواء قرب الأرض ساخنًا ورطبًا. فإذا وصلت كتلة هواء أبرد في الطبقات العليا، أو تقدّم منخفض جوي نحو السواحل، ارتفع الهواء الدافئ بسرعة وتكوّنت سحب ركامية ضخمة. والنتيجة أمطار رعدية تسقط على مساحة صغيرة في وقت قصير.
هذا الطابع هو ما يميز امطار الخريف في الجزائر عن أمطار الشتاء. فالدراسة المذكورة تنسب فيضانات بداية الخريف إلى عواصف رعدية شديدة تُسقط كميات كبيرة في فترات قصيرة. وقد تكون الكمية الإجمالية للموسم معتدلة، لكن تركّزها في ساعات معدودة يكفي لتحويل الوديان الجافة إلى مجارٍ جارفة.
الجنوب الصحراوي ونشاطه الرعدي في سبتمبر وأكتوبر
خلافًا للانطباع الشائع، لا تقتصر امطار الخريف في الجزائر على الشمال. فقد نقلت «اندبندنت عربية» عن مسؤولة مركز التنبؤات في الديوان الوطني للأرصاد الجوية أن المناطق الجنوبية تشهد سنويًا في سبتمبر وأكتوبر نشاطًا رعديًا معتبرًا. ونشرية 15 أكتوبر 2026 مثال حي: كميات بين 20 و30 ملم على تندوف وعين قزام وجانت من الثالثة زوالًا إلى الحادية عشرة ليلًا، وبين 20 و40 ملم، وقد تبلغ 50 ملم محليًا أو تتجاوزها، على عشرات الولايات الجنوبية حتى الثالثة زوالًا من الجمعة 16 أكتوبر.
الشمال والغرب والجنوب: ثلاث صور لموسم واحد
| المنطقة | ما تسجله المصادر |
|---|---|
| الغرب شبه الجاف (سيدي بلعباس) | معدل سنوي في حدود 338 ملم، و70% منه في الشتاء والربيع؛ الخريف أقل مطرًا لكنه يعطي جريانًا مهمًا. |
| الشرق الساحلي | نشرية من المستوى الثاني (برتقالية) يوم 24 سبتمبر 2026 لسكيكدة وعنابة والطارف وقالمة وسوق أهراس بكميات 20 إلى 40 ملم، قد تتجاوز 50 ملم محليًا. |
| الجنوب الصحراوي | نشاط رعدي سنوي في سبتمبر وأكتوبر، وأمطار 15 أكتوبر 2026 تؤكد ذلك. |
الجدول لا يغطي كل الولايات، فالمعطيات التي تحققت منها تخص هذه الأمثلة فقط. وهو يكفي لإظهار أن امطار الخريف في الجزائر لا تأتي بنمط واحد، فالبلاد تعيش عدة فصول خريف متزامنة.
لماذا تبقى أمطار الخريف في الجزائر خطرة رغم قلة كميتها؟
تقدم الدراسة نفسها أرقامًا لافتة عن الشمال الغربي. فبحسب تحليل لأحداث الفيضانات التاريخية فيه، يقع أكثر من 52.54% من الفيضانات المسببة للأضرار في الخريف، منها 16.95% في سبتمبر و13.56% في نوفمبر، بينما يستأثر أكتوبر بنحو 22.03% من إجمالي الأحداث السنوية. وفي حوض وادي مكرة، سُجّل أكثر من 57% من أقصى التدفقات اللحظية خلال الخريف، مع أزمنة صعود قد لا تتجاوز 20 إلى 30 دقيقة.
تعني هذه الأرقام أن امطار الخريف في الجزائر تضرب غالبًا قبل أن تتمكن الوديان من استيعابها، لأن الأرض تكون جافة وقاسية بعد الصيف، فيتحول جزء كبير من الماء إلى جريان سطحي. والتاريخ يشهد على ذلك، فالدراسة تذكر فيضانات أكتوبر 1994 التي أودت بحياة 60 شخصًا، وفيضان غرداية في 1 أكتوبر 2008 الذي خلّف أكثر من 100 قتيل، وفيضان باب الوادي في الجزائر العاصمة يوم 10 نوفمبر 2001 الذي أودى بحياة 750 شخصًا.
عوامل تضاعف الخطر
- شكل الحوض المستطيل وقِصر زمن التركز، فتصل الموجة إلى المدن بسرعة.
- ضيق مقطع الوادي في بعض المقاطع وتراكم الرواسب والنباتات داخله.
- العمران غير المخطط على ضفاف الوديان.
هذه العوامل عددها الباحثون في حالة وادي مكرة تحديدًا، لكنها تفسر لماذا يختلف أثر العاصفة نفسها من مدينة إلى أخرى.
ملم من المطر: كيف تُقرأ أرقام النشرات؟
يُقاس المطر بالملم، والملم الواحد يعادل لترًا من الماء على كل متر مربع. فعندما تعلن نشرية عن 40 ملم، فالمقصود نحو 40 لترًا فوق كل متر مربع من الأرض، وقد تسقط في ساعات قليلة. وهنا يظهر الفرق بين مطر الخريف ومطر الشتاء المتواصل: ما يهم في امطار الخريف في الجزائر هو شدة التساقط في الساعة الواحدة، لا المجموع الموسمي وحده.
ولهذا تذكر النشرات عبارة «محليًا» حين تتجاوز الكمية 50 ملم. فالعاصفة الرعدية لا تغطي الولاية بالتساوي، وقد ينال حيّ واحد ضعف ما ينال الحي المجاور. وتفسير ذلك أن الخلية الرعدية صغيرة نسبيًا وتتحرك، فلا يصح أن يطمئن سكان ولاية مدرجة في النشرة لمجرد أن مدينتهم لم تمطر بعد، ولا أن يفزعوا لمجرد أن اسم ولايتهم ورد فيها.
متابعة أمطار الخريف في الجزائر من المصدر الرسمي
الموقع الرسمي للديوان يعرض مستويات اليقظة بثلاثة أوصاف. الأول يدعو من يمارس أنشطة حساسة للطقس إلى متابعة تطور الوضع. الثاني يتحدث عن ظواهر خطيرة ويطلب يقظة شديدة واتباع نصائح السلامة الصادرة عن السلطات. الثالث يخص ظواهر خطيرة استثنائية الشدة ويفرض يقظة مطلقة والتقيد بتعليمات السلامة.
وعند قراءة أي نشرية، انتبه إلى ثلاثة أمور: الولايات المعنية، وكمية الأمطار المتوقعة، وفترة الصلاحية بالساعة. فنشرية 15 أكتوبر 2026 مثلًا تنتهي صلاحيتها الجمعة 16 أكتوبر عند الثالثة زوالًا، وبعد ذلك لا تصح قراءتها على أنها إنذار قائم. ومن الاحتياطات العامة تجنب عبور الوديان والمنخفضات المغمورة بالسيارة أو سيرًا على الأقدام، واتباع تعليمات الحماية المدنية عند الإنذار.
أما حجم امطار الخريف في الجزائر خلال الأسابيع المقبلة، فلم أعثر على توقعات موسمية رسمية جزائرية يمكن الاعتماد عليها، ولذلك لا يصح الجزم بأن الموسم سيكون أغزر أو أجف من المعتاد. والأجدر بالقارئ أن يتابع نشرات الديوان اليومية، فهي تتغير أسرع من أي قاعدة مناخية.
